الهوية الرقمية حين تصبح حياتنا نصوصاً وصوراً في الفضاء الإلكتروني
في زمنٍ باتت فيه الخوارزميات تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا، وحيث يصف الناس أنفسهم أولاً بما ينشرونه لا بما يشعرون به، تتشكّل ظاهرة جديرة بالتأمل العميق: الهوية الرقمية. لم تعد حساباتنا على منصات التواصل الاجتماعي مجرد نوافذ نطلّ منها على العالم، بل غدت بالنسبة لكثيرين منّا المرآة الأولى التي نرى فيها أنفسنا ونرى فيها الآخرين. ومع هذا التحوّل الجذري في العلاقة بين الذات والتمثيل، تنبثق تساؤلات فلسفية ونفسية لا يمكن إسكاتها بمجرد التمرير على الشاشة.

يبدأ الأمر في معظم الأحيان ببراءة ظاهرة: صورة هنا، رأي هناك، قصيدة أو مقطع موسيقي يصف ما يعتمل في الداخل. لكن تدريجياً تتحوّل هذه القطع المبعثرة إلى شخصية متماسكة بذاتها، لها جمهور وتوقعات وسمعة. ويجد المستخدم نفسه أمام إغراء لا يُقاوم: أن يُشكّل حياته لتناسب هذه الشخصية لا العكس. يُسافر لأجل الصورة لا لأجل التجربة، ويُعبّر عن الرأي لأجل التفاعل لا لأجل القناعة، ويختار الأصدقاء ممن يُضيفون إلى صورته لا ممن يُثرون روحه. وهنا تحديداً يكمن الخطر الصامت: حين تأكل الهوية المُصطنعة الهويةَ الحقيقية من الداخل دون أن يلاحظ أحد، بمن فيهم صاحبها.
ثمة بُعد اجتماعي لا يقل إشكالية عن البُعد الفردي. فقد أتاحت منصات التواصل للفرد أن يُخاطب الملايين دون وسيط، وهو ما بدا في البداية انتصاراً ديمقراطياً نادراً. غير أن هذا الانفتاح الهائل خلق في الوقت ذاته فضاءات مغلقة من نوع مختلف: ما يسمّيه علماء الاجتماع بـ"غرف الصدى"، حيث يلتقي المتشابهون ويتعززون في قناعاتهم، بينما يتآكل قدرتهم على الإصغاء إلى الآخر المختلف. والمفارقة مذهلة: أداة وُلدت لتوصيل الناس ببعضهم باتت من أشد الأدوات تعزيزاً للقطيعة الفكرية والعاطفية.

لكن المشهد ليس قاتماً في مجمله. ثمة وجه مضيء لهذه الثورة الرقمية لا يجوز إغفاله. فقد وجد كثيرون ممن عاشوا على هامش المجتمع، أصحاب الاهتمامات النادرة أو الهويات المهمّشة، في الفضاء الإلكتروني مساحة للتعبير لم يجدوها في عالمهم المحلي. كوّنت مجتمعات دعم حقيقية عبر القارات، وأسهمت في إطاحة جدران الوصمة الاجتماعية في مسائل كانت تُعدّ من المحرّمات. وأتاح الفضاء الرقمي للفنانين والكتّاب والمفكرين في أصقاع العالم الأبعد أن يصلوا إلى جمهور لم يكن متخيّلاً قبل جيل واحد فحسب.
تكمن المسألة الجوهرية إذن ليس في الأدوات بل في الوعي الذي نحمله ونحن نستخدمها. الهوية الرقمية الصحية لا تعني الانسحاب من الفضاء الإلكتروني وقطع الحبل مع العالم المتصل، بل تعني أن نظل أصحاب الكلمة الفصل في تعريف أنفسنا، ألا نتخلى عن التعقيد الإنساني الذي لا تستوعبه خانة سيرة ذاتية من مئة وستين حرفاً. فثمة فارق شاسع ومُقلق بين أن تستخدم المنصة وبين أن تكون هي التي تستخدمك، وهو فارق يستدعي يقظة دائمة ومراجعة صادقة وشجاعة نادرة في عصر يُكافئ التوافق ويُعاقب الأصالة.
