الطرق السريعة تحت المدينة: أنفاق المستقبل بين الجدوى والوهم
ثمة شيء يشبه السحر في فكرة أن تسري تحت الأرض بينما تتكدّس الحياة فوقك بضجيجها وازدحامها وتعقيداتها اليومية. الأنفاق الحضرية ليست وليدة اليوم؛ فقد حفر الإنسان تحت المدن منذ أمد بعيد، لكن ما يشهده العقد الأخير من طموحات تنقل جوفية يتخطّى بمراحل كل ما سبقه، إذ باتت المشاريع الكبرى تُقرأ لا بوصفها بنية تحتية وظيفية، بل رهاناً حضارياً على طراز حياة المدينة ذاتها وتصوّرها لمستقبل التنقل.
تاريخياً، ارتبطت الأنفاق بشبكات المترو والمشاة والصرف الصحي، غير أن موجة التفكير الراهنة تذهب إلى أبعد من ذلك بكثير. في سياق المدن التي اختنقت شوارعها بالسيارات الخاصة، وعجزت خططها التنظيمية عن استيعاب النمو السكاني المتسارع، برزت فكرة نقل حركة السيارات الخاصة كليّاً تحت الأرض بوصفها حلّاً يُغري بجاذبيته النظرية: سطح مدينة خالٍ من الأصوات الصاخبة، وشوارع أعيدت إلى المشاة والدراجين وغبطة العيش في الفضاء المفتوح. ما من شك في أن هذه الصورة تمتلك قوة إقناع استثنائية، لكنها صورة تُخفي خلفها تعقيدات هندسية ومالية وبيئية لا يمكن إغفالها بأي حال.
مشاريع من قبيل ما طرحته شركات متخصصة في حفر الأنفاق بتقنيات آلية متطورة، تعدّ بتقليص التكاليف التقليدية وتسريع وتيرة الإنجاز، مستعرضةً نماذج في مدن أمريكية وأوروبية تُجرّب هذه الأفكار بحذر. بيد أن المنتقدين يرون أن التكلفة الفعلية لمثل هذه المشاريع تظل مرهقة للميزانيات الحكومية، وأن الحل الجوفي قد يُعيد إنتاج ظاهرة التوسع غير المحدود في الطاقة الاستيعابية، إذ كلما وُسِّعت الأنفاق، تدفّقت سيارات أكثر لتملأها، في دوامة تحاكي تلك التي خبرتها الطرق السريعة السطحية في القرن الماضي. هذه المعضلة التي يسمّيها المخططون «الطلب المُستحثّ» تجعل من التفاؤل المفرط بالحل الجوفي ضرباً من المراهنة بغير بيّنة.
لكن الأنفاق الحضرية ليست كلها في خدمة السيارة. ثمة بُعد آخر أكثر صمتاً وأعمق أثراً في تجربة المدينة: الأنفاق المخصصة للمشاة والدراجات، أو شبكات البضائع الجوفية التي تسعى بعض المدن الأوروبية إلى إرساء نواتها الأولى. في أمستردام ولندن وتوكيو، تُجرّب مبادرات تهدف إلى نقل البضائع اللوجستية عبر ممرات آلية تحت الأرض، ما يُخفّف الضغط عن الشوارع ويُقلّص من الانبعاثات الناجمة عن عربات التوصيل التي باتت تُعيق التنقل في كثير من الأحياء التجارية الكبرى. هنا تكتسب فكرة الأنفاق مشروعيتها الفعلية، لأنها لا تُشجّع على الاعتماد على السيارة بل تُحوّل الثقل اللوجستي بعيداً عن المشاة.
في المحصلة، الأنفاق الحضرية ليست وصفة سحرية ولا وهماً خالصاً، بل هي أداة تتوقف جدواها كلياً على طبيعة الأسئلة التي يطرحها مخططو المدينة قبل الشروع في الحفر. هل يسعون إلى تيسير الاعتماد على السيارة أم إلى الحدّ منه؟ هل الأولوية لحركة البضائع أم للمشاة؟ هل ثمة إرادة سياسية حقيقية لإعادة تعريف الفضاء العام؟ من دون هذه الأسئلة، قد يبقى الحفر مجرد هروب من إشكاليات التخطيط إلى الأعماق، لا حلاً لها. والمدن التي ستُفلح في الاستثمار الجوفي هي تلك التي تفهم الأنفاق جزءاً لا يتجزأ من رؤية تنقل شاملة ومتسقة، لا وصفة منفصلة تُباع للرأي العام على أنها المعجزة التي طال انتظارها.