فنّ النحت على الخشب: حين تتحوّل الأشجار إلى حكايات
ثمة سحرٌ خاصٌّ في لحظة يُمسك فيها الإنسان بأزميله ويبدأ في تشكيل قطعةٍ من الخشب، كأنه يُفاوض المادةَ الصامتة على أن تُفصح عن روحها. النحت على الخشب من أعرق الحرف الإنسانية وأكثرها حميمية؛ إذ لا يحتاج الممارس في البداية سوى أدواتٍ بسيطة وقدرٍ وافرٍ من الصبر، لكنه قد يُفضي في نهاية المطاف إلى تحفٍ تُدهش الناظرين وتتحدى الزمن.

تتنوع أساليب النحت على الخشب تنوعاً لافتاً؛ فمنها النحت بالقطع المباشر الذي يعتمد على المشارط والأزاميل لإزالة طبقات الخشب تدريجياً، ومنها النحت التفصيلي الدقيق الذي يُجسّد وجوهاً وأشكالاً تبدو وكأنها خارجةٌ من حكايات. أما النحت الغائر، فيُتيح للفنان إنشاء مشاهد كاملة تبدو مسطّحةً من بعيد لكنها تكشف عن عمقها حين يقترب منها المتأمّل. ولكلّ أسلوب متطلباته من حيث نوع الخشب المناسب؛ إذ يُفضّل المبتدئون عادةً خشب الزيزفون أو الحور لليونتهما، في حين يتجرأ المحترفون على خوض تجربة البلوط والجوز الصلبَين.

الجانب الذي يغفل عنه كثيرٌ من الراغبين في تعلّم هذه الحرفة هو أن النحت ليس مجرد مهارةٍ يدوية، بل هو تدريبٌ على الانتباه والتأمّل. حين تُمسك بالأزميل وتنصتُ إلى الخشب، تتعلّم أن تتوقع سلوكه وفق تفاوت حبيباته واتجاه أليافه؛ وهذا يستدعي حضوراً ذهنياً تاماً يُبعد القلق ويُقرّب الإنسان من حالةٍ شبيهة بالتأمّل الذي يسعى إليه الكثيرون بوسائل أخرى. لهذا السبب يصف ممارسوه بأنه تجربةٌ علاجية تتجاوز حدود الهواية.
في عصرٍ تتنافس فيه المنتجات المصنوعة آلياً وتتكاثر بتماثلٍ مُملّ، تستعيد الحرفة اليدوية معناها بوصفها فعلاً من أفعال المقاومة الجميلة. القطعة المنحوتة يدوياً لا تحمل فقط شكلاً، بل تحمل أثر اليد وخطأها المقصود وقرارها الجريء. ربما لهذا يُقبل الناس اليوم من جديد على تعلّم هذه الحرفة، باحثين في الخشب عمّا لا تستطيع الشاشات أن تمنحهم: الملمس والأثر والزمن المُقطَر في شيءٍ يصمد.
