الدراجات الهوائية في المدينة: ثورة هادئة تُعيد رسم خرائط التنقل
في مطلع هذا القرن، كانت الدراجة الهوائية مجرد وسيلة ترفيه في عيون كثيرين، أو ذكرى من طفولة بعيدة. غير أن المشهد تبدّل تبدّلاً جذرياً في العقدين الأخيرين، إذ باتت الدراجة رمزاً لنمط حياة حضري مختلف، يتحدّى أحادية السيارة ويُعيد طرح سؤال جوهري: لمن تنتمي شوارع المدينة في الحقيقة؟

تتصدّر مدن أمستردام وكوبنهاغن وبكين المشهد العالمي في هذا التحوّل، حيث تتجاوز نسبة مستخدمي الدراجات في بعضها خمسين بالمئة من إجمالي المتنقلين يومياً. وقد أسهمت في ذلك سياسات متكاملة وطموحة؛ فمن تخصيص مسارات آمنة ومستقلة، إلى دعم منظومة التشارك في الدراجات وتوفير مواقف ملائمة قرب محطات القطارات والمترو، أتاحت هذه المدن لمواطنيها بديلاً حقيقياً وموثوقاً. في المقابل، لا تزال مدن كثيرة في العالم العربي وجنوب آسيا تُعاني من غياب البنية التحتية الملائمة، فتبقى الدراجة حكراً على الأحياء الثرية أو هواة رياضة نهايات الأسبوع.

ثمة أبعاد متعددة تجعل انتشار الدراجة في المدن أمراً يستحق التأمل العميق. على الصعيد البيئي، تُسهم في خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وتقليص الضوضاء التي تثقل كاهل المدن الكبرى. أما على الصعيد الاجتصادي، فتُخفّف من الاعتماد على الوقود الحفري وتُقلّل تكاليف التنقل اليومي للأسر ذات الدخل المحدود. وعلى الصعيد الصحي، يُتيح ركوب الدراجة دمج النشاط البدني في جدول الحياة اليومي بصورة طبيعية وغير مُجهِدة، مما يُشكّل مكافحةً غير مباشرة لأمراض نمط الحياة الحديث.
يرى المتشككون أن توسيع مسارات الدراجات يأتي على حساب حركة السيارات، ويزيد من ازدحام الشوارع الضيقة أصلاً. وهو اعتراض مشروع يستلزم حلولاً مدروسة لا إجابات جاهزة. بيد أن التجربة العالمية تُشير إلى أن المدن التي تجرؤ على إعادة توزيع مساحة الطريق لصالح الإنسان لا السيارة، تحصد في المآل مدناً أكثر هدوءاً وأقل تلوثاً وأوفر حيوية في فضائها العام. الدراجة ليست حلاً سحرياً، لكنها بوصلة نحو مدينة أكثر إنسانية.
