حين يصبح الفيلم مرآةً للزمن: عن الذاكرة البصرية للسينما
ثمّة لحظةٌ غريبة تعتري المشاهد حين يُعيد مشاهدة فيلمٍ أحبّه قبل عقدين من الزمن؛ إذ لا يرى على الشاشة ما رآه بالأمس، بل يرى نفسَه هو — طفلاً أو مراهقاً أو شاباً في أول مقاعد الحياة. السينما، في جوهرها، ليست حكاياتٍ مصوَّرة فحسب، بل هي أرشيفٌ عاطفي تتراكم فيه طبقاتُ الأزمنة المتعاقبة، وتتشابك مع أسئلة الهوية والانتماء بطريقةٍ لا يُحكمها كتابٌ ولا تستوعبها قصيدة.
كان المخرجون الكبار في منتصف القرن العشرين يُدركون هذه الطاقة الخاصة للصورة المتحركة، فانكبّوا على استثمارها بوعيٍ شبه فلسفي. فيلليني حين يُعيد رسم ذاكرة الطفولة في «أماركورد»، وتاركوفسكي حين يُحوّل الزمن نفسَه إلى مادةٍ بصرية في «المرآة»، وكلٌّ منهما بطريقته الخاصة يتأمّل السؤال ذاته: ما الذي يبقى حين يمرّ الوقت؟ ولعلّ هذا ما جعل السينما تتميّز عن سائر الفنون في قدرتها على اصطياد العابر وتحويله إلى خالد، لتُقيم بذلك جسراً رهيفاً بين اللحظة والأبدية.
غير أنّ التحوّل الرقمي الذي أعاد رسم ملامح صناعة الترفيه خلال العقدين الأخيرين قد أحدث زلزالاً صامتاً في علاقة الجمهور بالفيلم. حين كانت دور السينما هي الفضاء الوحيد للمشاهدة، كانت ثمّة طقوسية تُحيط بالتجربة برمّتها: الخروج من البيت، وعتمة القاعة، وتلك اللحظة التي تُطفأ فيها الأنوار وتبدأ الشاشة في الكلام. أمّا اليوم، فقد باتت الأفلام تُستهلَك في أيّ مكان وعلى أيّ سطح، حتى إنّ المشاهدة صارت في بعض الأحيان خلفيةً صوتية لا حدثاً إدراكياً. هذه السيولة في الوصول لا تُيسِّر التجربة فحسب، بل تُعيد تشكيل علاقة المشاهد بالمعنى الذي يستخلصه.
لكنّ هذا لا يعني أنّ الفيلم فقد مكانته أو أنّ القصص الكبرى باتت ملكاً للماضي. بالعكس، تُشير الأرقام إلى أنّ الاستهلاك البصري بلغ مستوياتٍ غير مسبوقة، وأنّ الأجيال الجديدة تُشاهد أكثر مما شاهد أيُّ جيلٍ قبلها. المسألة لا تتعلّق بالكمّ، بل بنوع الانتباه الذي نُحضره معنا إلى الشاشة. فالفيلم يمنح ما نمنحه إيّاه من تركيزٍ وصمت وانفتاح، ولعلّ هذا هو الامتحان الحقيقي الذي يواجهه المشاهد المعاصر: أن يُعيد اكتشاف فنّ المشاهدة نفسه في زمن الإلهاء المتواصل.
من الزاوية ذاتها، يُعيد النقّاد اليوم تقييم ظاهرة «إعادة إطلاق» الأفلام الكلاسيكية، سواءٌ في نسخٍ مُرمَّمة رقمياً أو في هيئة مقتبساتٍ تُعيد كتابة الأصل بعيون معاصرة. فبينما يرى فريقٌ أنّ ذلك إحياءٌ مشروع يُدخل الإرث البصري إلى حياة أجيالٍ لم تعرفه، يُقرّ فريقٌ آخر بأنّ ثمّة شيئاً ما يضيع في كلّ ترجمةٍ من زمنٍ إلى آخر — روحٌ هشّة لا تقبل الاستنساخ.
في نهاية المطاف، ربّما يكمن جوهر السينما في هذا التوتّر الخصب بين الدوام والزوال. فكلّ لقطةٍ تُجمّد الحياة وتُخلّدها في الآن ذاته، وكلّ فيلمٍ يُعلّمنا، بطريقةٍ أو بأخرى، كيف نُفكّر في ما يستحقّ البقاء مما نعيشه. وفي هذا، تظلّ السينما فلسفةً شعبية، لا تشترط الأكاديميا ولا تستأذن المنهج، بل تكتفي بأن تُجلسك في الظلام وتجعلك تُبصر.
