حين تتحكّم الخوارزمية في ما نراه وما نؤمن به
في عصر الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، لم تعد المعلومات تصلنا بالصدفة أو بالتسلسل المنطقي الذي كنا نألفه في الصحف والمذياع. بات ثمة وسيط صامت يعمل خلف الشاشات في كل لحظة، وهو الخوارزمية التي تُحلّل سلوكنا الرقمي وتُقرّر، نيابةً عنا، ما يستحق أن نراه وما يُمكن تجاهله. هذا التحوّل الجذري في طريقة استهلاكنا للمعلومات يستدعي تأمّلاً عميقاً.
تعمل خوارزميات منصات كبرى كفيسبوك وإنستغرام ويوتيوب على مبدأ بسيط في ظاهره: عرض المحتوى الذي يُثير تفاعلنا ويُبقينا مرتبطين بالتطبيق أطول وقت ممكن. غير أن النتيجة تفوق البساطة بكثير؛ إذ تنزع هذه المنصات إلى تغذيتنا بما نتّفق معه أصلاً، فتخلق ما يسميه الباحثون "فقاعة المرشّح". يجد المستخدم نفسه محاصراً داخل دائرة من الآراء المتشابهة، وتتضاءل فرصته للاحتكاك بوجهات نظر مغايرة أو حتى بحقائق تتعارض مع ما يحمله من قناعات راسخة.
لا تقتصر التبعات على الفرد وحده، بل تمتد لتطال النسيج الاجتماعي برمّته. حين ينغمس ملايين الأشخاص في فقاعاتهم الرقمية المنفصلة، يصعب بناء أرضية مشتركة للحوار أو إيجاد توافق حول قضايا المجتمع. وتُفضي هذه الحالة أحياناً إلى استقطاب حاد، حيث يبدو المختلف معنا غريباً أو حتى عدواً، لا مجرد شخص يحمل رأياً آخر. ولا يُساعد على ذلك الطابعُ المُثير الذي تمنحه المنصات للمحتوى العاطفي والاستفزازي على حساب المعتدل والرصين.
ثمة من يرى أن الحل يكمن في التنظيم الحكومي وإلزام شركات التكنولوجيا بمعايير أكثر شفافية في تصميم خوارزمياتها. بيد أن آخرين يُفضّلون الاعتماد على ثقافة الإعلام الرقمي، وتنمية وعي النقدي لدى المستخدم حتى يتمكن من التمييز بين ما تعرضه الخوارزمية وما يستحق قراءته فعلاً. في النهاية، يظل السؤال الأعمق قائماً: هل نحن من يختار ما يفكر فيه، أم أن أحداً ما بات يختار بدلاً منا؟
