فنّ التخمير في المطبخ العربي بين العلم والموروث
ثمّة سحرٌ هادئ يجري في الأوعية المغلقة وخلف أبواب المخازن الباردة، سحرٌ لا يُحدثه طاهٍ ماهر بل كائناتٌ مجهرية لا ترى بالعين المجردة. التخمير — أو ما يُعرف بـ«الدَّبَّاسة» في بعض اللهجات المحلية والتخليل في أخرى — هو أحد أعرق فنون الحفظ والتحويل الغذائي التي عرفتها الحضارة الإنسانية. ومع أن التكنولوجيا الحديثة أطاحت بكثير من الممارسات التقليدية، فإن التخمير يشهد اليوم بعثاً جديداً يجمع بين عمق الموروث وصرامة العلم.

في المطبخ العربي، للتخمير حضورٌ راسخ وإن ظلّ في الغالب غير مُسمَّى. الكشك الشامي — ذلك المزيج المخمّر من اللبن ودقيق البرغل الذي تجففه الشمس — لقمةٌ شعبية تحمل في طياتها علماً كاملاً عن التوازن الحمضي والمكرو بيوم. والمخلل بأنواعه، من اللفت المصبوغ بعصير الشمندر إلى الخيار الطازج المتبّل بالثوم والشبّت، ليس مجرد طبقٍ جانبي بل مختبرٌ حي تتناوب فيه بكتيريا اللاكتوباسيلوس على تحويل السكريات إلى حمض اللاكتيك، ما يُكسب الطعام نكهةً لاذعة عميقة وعمراً أطول على الرف.

وما إن نتجاوز المائدة المشرقية حتى نصادف الرائب والجبن البلدي في شمال أفريقيا، والرنجة المخمّرة في بعض المناطق الساحلية، وعصير الكاركديه المخمّر الذي يتحول في درجات الحرارة الملائمة إلى مشروب فوّار طفيف الكحول. هذه الأطعمة ليست نتاجاً عفوياً محضاً؛ إذ كانت الجدات يعرفن — بلا معاجم ميكروبيولوجيا — متى تترك الوعاء مفتوحاً ومتى تُحكمن إغلاقه، ومتى تُضفن الملح بالقدر الذي يُعوّق نموّ الكائنات الضارة دون أن يوقف عمل النافعة. كانت تلك الحكمة المتراكمة تُورَّث شفهياً، وكانت الحواس وحدها — الشمّ والتذوق واللمس — هي المعيار.



