ليالي الفانوس حين يتحوّل الضوء إلى احتفال
منذ آلاف السنين، وجد الإنسان في الضوء رمزاً للأمل والتجدد. ولعلّ أجمل تجليّات هذا الارتباط العميق ما نراه في مهرجانات الفوانيس المنتشرة في شتى أنحاء العالم، من شرق آسيا إلى قلب أوروبا، مروراً ببعض الاحتفالات في العالم العربي. فما الذي يجعل هذه المهرجانات تتجاوز حدود الجغرافيا والثقافة لتصبح لغةً إنسانيةً مشتركة؟

تُقام مهرجانات الفوانيس في الغالب في ليالٍ بعينها تحمل دلالاتٍ روحية أو موسمية، كبداية الربيع أو ذكرى أحداث تاريخية بارزة. في تايوان وتايلاند والصين، يُطلق الناس فوانيسَ ورقيةً خفيفة إلى السماء، محمّلةً بأمنياتهم وأدعيتهم، فيبدو الليل وكأنه يتنفّس ناراً هادئة. وفي أوروبا، تتحوّل الأزقة القديمة إلى متاحف مفتوحة تزيّنها آلاف المصابيح الملونة. هذه الطقوس لا تُجسّد مجرد استعراض بصري مبهر، بل هي وسيلة للتأمل الجماعي والتواصل بين الأجيال، إذ يتعلّم الأطفال من أجدادهم معاني الاحتفال ودلالاته قبل أن يتعلّموا تفاصيله.

غير أن هذه المهرجانات تواجه اليوم تحدياتٍ جديدة. فمع تصاعد الوعي البيئي، باتت الفوانيس التقليدية المصنوعة من الورق والشمع محلَّ جدلٍ واسع، نظراً لما تُخلّفه من أضرار على الحياة البرية وتلوّثٍ للمجاري المائية حين تسقط. وقد لجأت بعض المدن إلى استبدالها بفوانيس LED أو عروض ضوء ليزر مُبتكرة، في محاولة للحفاظ على روح الاحتفال دون المساس بالبيئة. يُثير هذا التحوّل تساؤلاتٍ مشروعة حول الهوية الثقافية: هل يظلّ الاحتفال أصيلاً حين نُعيد ابتكار أدواته؟ أم أن الروح الجماعية هي التي تمنح الطقوسَ معناها الحقيقي بصرف النظر عن شكلها المادي؟
في نهاية المطاف، تُذكّرنا مهرجانات الفوانيس بأن الإنسان، أياً كانت ثقافته، يحتاج إلى لحظاتٍ يتوقف فيها عن الجري، يرفع فيها بصره نحو السماء، ويُدرك أنه جزءٌ من شيءٍ أكبر منه وأقدم. إنها ليست مجرد احتفالاتٍ بالضوء، بل هي احتفاءٌ بما يعني أن تكون إنساناً في هذا العالم.
