النغمة المفقودة حين يموت التقليد الموسيقي في صمت
ثمة لحظاتٌ تنزلق فيها الحضارات إلى الغياب لا بصخب ولا بنحيب، بل بصمتٍ ناعم كصمت الثلج حين يتراكم فوق أشجار منسيّة. وربما لا تجسّد هذه الحقيقة شيءٌ أكثر وضوحاً مما يحدث حين تختفي من العالم موسيقى لا يتبقى منها حتى صدى. فالموسيقى ليست مجرد توليف أصوات، بل هي بنيةٌ معرفية تحمل طريقة قومٍ في استيعاب الزمن، وفهم الحزن، والاحتفاء بالفرح، وصياغة العلاقة الملتبسة بين الفرد والكون.
حين يرحل آخر عازف يُتقن مقاماً موسيقياً نادراً أو آخر مغنٍّ يحفظ في حنجرته جُملاً لحنية لا تُدوَّن، لا تُشعل وسائل الإعلام نعياً، ولا تُقام مراسم. الخسارة تحدث في صمت مطبق، وكثيراً ما يدرك الناس ما فقدوه بعد فوات الأوان، حين يمسكون بتسجيلٍ باهت يئنّ من قِدَمه ليُدركوا أن ما يسمعونه لن يُعاد إنتاجه بأي تقنية، لأن التقنية تستطيع نقل الصوت لكنها تعجز عن نقل العالَم الذي أنجب ذلك الصوت.
يذهب علماء الأنثروبولوجيا الموسيقية إلى أن كل نظام موسيقي هو في جوهره خريطةٌ ثقافية تكثّف في طيّاتها فلسفة حياة. الموسيقى الأندية القديمة، على سبيل المثال، بنت سلّمها الموسيقي على أساسٍ مغاير تماماً للسلّم الغربي، مما يعني أن الأذن التي تربّت على إيقاعاتها كانت تعيش تجربة زمنية وحسيّة مختلفة جذرياً. وحين ذاب هذا النظام تحت ضغط الثقافات الوافدة، لم يُفقد لحنٌ فحسب، بل انمحت طريقة في السماع ذاتها.
لا يعني هذا الكلام الدعوة إلى نوعٍ من الحنين العقيم الذي يُجمّد التراث في كهوف مصطنعة. فالثقافات الحيّة بطبيعتها تتلاقح وتتشابك وتُفرز من تزاوجها أشكالاً تعبيرية لم يسبق لها مثيل، وكثيرٌ مما نُسمّيه اليوم تراثاً أصيلاً هو نفسه ثمرة اندماجات متعاقبة عبر القرون. بيد أن ثمة فارقاً جوهرياً بين التطور العضوي الذي تفرزه الحياة وبين الاستئصال القسري الذي يُمليه الإهمال أو نزعة التوحيد الثقافي، إذ إن الأول يُثري والثاني يُعقم.
ما يزيد المسألة تعقيداً هو أن بعض الأنظمة الموسيقية تأبى التوثيق بطبيعتها؛ فهي تنتقل شفاهاً من حنجرة إلى حنجرة، وتُكتسب بالمجالسة لا بالقراءة، وتتضمن دقائق أداء لا تستطيع علامات التدوين الحديثة أن تُترجمها. إن تسجيلها قد يُنقذها شكلاً ويقتلها روحاً، ذلك أن جزءاً لا يُستهان به من معناها يتشكّل في سياق الأداء الحي، في نفَس العازف وتردّده وارتجاله، وفي صمتاته بين النغمات لا في النغمات ذاتها.
يبقى السؤال الحقيقي إذاً ليس كيف نُسجّل ما يتبقى، بل كيف نُعيد بناء علاقةٍ حيّة بين الأجيال والموروث الصوتي في زمنٍ تتنافس فيه منصات البث على آذان الشباب بضخّ لا يتوقف. والإجابة قد تكمن لا في الحفاظ بمفهومه المتحفي الجامد، بل في إيجاد مساحات ثقافية تسمح لهذه الموسيقى بأن تتنفس من جديد، وأن تلتقي بأسئلة عصرها، وأن تُخاطب أذناً معاصرة دون أن تتخلى عن سرّها الأعمق. فالتراث الموسيقي لا يموت حين يتطوّر، بل يموت حين لا يجد من يُصغي إليه.
