التسامح بين الثقافات جسرٌ نحو عالمٍ أكثر إنسانية
في زمنٍ تتشابك فيه الهويات وتتداخل الحضارات، لم يعد التسامح الثقافي مجرّد فضيلةٍ أخلاقية يُستحسن التحلّي بها، بل غدا ضرورةً وجودية لا غنى عنها في صميم أي مجتمعٍ يطمح إلى الاستقرار والتجدد. فحين يلتقي الناس من خلفياتٍ متباينة، يحملون معهم منظوماتٍ قيميةً مختلفة، وطرائق تفكيرٍ لا تتطابق بالضرورة، بيد أنّ هذا التباين في حدّ ذاته ليس مصدر توتر، بل هو البذرة الأولى لأي حوارٍ خلّاق يُعيد تشكيل التجربة الإنسانية المشتركة.
يميل كثيرٌ من الناس، حين يصطدمون بما يخالف مألوفهم، إلى الانكفاء نحو ما يعرفونه وما ترسّخ لديهم منذ الطفولة. وهذا الميل الفطري إلى الانتماء المتجانس ليس عيبًا بذاته، لكنّه حين يتحوّل إلى سدٍّ منيع أمام الفهم يُفضي إلى نمطٍ مُقلق من الاستغراب وسوء الفهم المتبادل. ومن أخطر ما تُرسّخه هذه الانكفاءة هو النظرة الإسقاطية، أي الحكم على ثقافةٍ أخرى بمعايير ثقافةٍ مختلفة، وكأنّ القيم مقاساتٌ كونية ينبغي لكلّ البشر الانصياع لها.
ولعلّ ما يُفاقم هذه الإشكالية في عصرنا الراهن هو النمو المتسارع لوسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تُغذّي الفقاعات المعرفية وتُعمّق الأصداء، حيث يتلقّى المرء المحتوى الذي يعكس توجهاته مسبقًا ويؤكّدها، فيضيق أفقه تدريجيًا دون أن يدري. وهكذا تنشأ صورٌ نمطية قاسية عن الآخر تترسّخ في اللاوعي وتُوجّه ردود الفعل والمواقف قبل أن تُتاح للتجربة المباشرة فرصة تصحيحها.
غير أنّ التسامح الحقيقي لا يعني القبول السلبي بكلّ شيءٍ أو التذويب الأعمى للفوارق، ذلك أنّ ثمّة خطًا فاصلًا دقيقًا بين تقدير الاختلاف والاستسلام للنسبية المطلقة التي تُسوّي بين كلّ الممارسات وتُعفي المجتمعات من المساءلة. التسامح الناضج هو القدرة على الإقامة في فضاء التعقيد دون الهروب إلى إجاباتٍ جاهزة، وعلى الاستماع إلى ما يُربك الأُطر الجاهزة دون الانزلاق إلى إنكار الذات أو فقدان البوصلة الأخلاقية.
تُعلّمنا التجارب الإنسانية الكبرى، سواءٌ أكانت في الأندلس حين التقت الحضارات في حوارٍ حيّ، أم في مدنٍ تجاريةٍ كانت الأسواق فيها مختبرًا للاحتكاك الخلّاق، أنّ التلاقح الثقافي يُنتج من الإبداع والمعرفة ما لا تستطيع إنتاجه الثقافة المنغلقة على نفسها مهما بلغت من عمقٍ وتجانس. وليس ذلك دعوةً إلى الانسلاخ عن الهوية، بل هو تذكيرٌ بأنّ الهويات الحيّة هي دائمًا هوياتٌ في طور التشكّل والحوار، لا كيانات جامدة محفورة في صخر.
في نهاية المطاف، يبدأ التسامح الثقافي الحقيقي بفعلٍ بسيطٍ غالبًا ما نُهمله: الفضول. أن تسأل قبل أن تحكم، وأن تُصغي قبل أن تُدافع، وأن تُقرّ بأنّ في تجربة الآخر جانبًا من الحقيقة لم تبلغه تجربتك وحدها. هذه الهشاشة الواعية ليست ضعفًا، بل هي أشجع صورة للتواضع الإنساني وأبلغ تجلٍّ لما يمكن أن نُسمّيه النضج الحضاري.
