في قلب الصحراء: مدينة بترا بين الحجر والحكاية
ثمة أماكن في هذا العالم تتجاوز في هيبتها كلَّ ما يمكن أن يصفه القلم أو تُجسّده الصورة، أماكن تقف أمامها فتدرك أنك إزاء شيء أكبر من الزمن ذاته. بترا، المدينة النبطية المنحوتة في أحشاء الجبال الوردية جنوبي الأردن، واحدة من تلك الأماكن النادرة التي يتقاطع فيها الجمال الطبيعي مع البراعة الإنسانية عند حدٍّ لا يمكن تصنيفه.

لا يبدأ الوصول إلى بترا بوصولك، بل يبدأ قبل ذلك بزمن طويل؛ يبدأ حين تسلك السيق، ذلك الممر الصخري الضيق الذي يتعرّج لأكثر من كيلومترين بين جدران ترتفع عشرات الأمتار فوق رأسك، حتى إذا انعطفت الأقدام دون سابق إنذار، انفجر أمامك الخزنة في تجلٍّ مباغت. الواجهة الوردية المزيَّنة بأعمدتها الأربع وتيجانها المنحوتة تصطدم بالعين اصطداماً يكاد يكون جسدياً، وكأن الجبل قرّر أن يعرض روحه دفعةً واحدة لا على مراحل. هذا المشهد، الذي يراه الزائر لأول مرة، لا يُنسى لأنه يختصر في لحظة واحدة كل ما يعنيه التاريخ: هشاشة الوجود الإنساني في مواجهة الدهر، وإصراره على البقاء منقوشاً حتى في الحجر.
أسّس الأنباط مملكتهم التجارية الزاهرة في هذه الصخور قرابة القرن الرابع قبل الميلاد، وأتقنوا ما لم يتقنه سواهم: احتجاز الماء في صحراء لا ترحم. نحتوا قنوات دقيقة في الصخر تجري فيها مياه الأمطار الشحيحة إلى صهاريج محفورة في باطن الجبال، وتحولت بذلك مدينة وسط لا شيء إلى عاصمة تجارية تحكم طرق البخور والتوابل بين جزيرة العرب والبحر المتوسط. إن التوقف عند نقش واحد على الجدران يعني التوقف عند لحظة من لحظات عبقرية جماعية لم تولدها المدارس بل ولّدتها الضرورة القصوى والتأمل في الطبيعة.

ما يُضاعف سحر بترا أنها ليست مجرد خزنة أو خزنتين؛ فخلف تلك الواجهة المشهورة تمتد مدينة كاملة تحتضن نحو ثمانمائة وخمسين منشأة منحوتة في الصخر، من معابد ومسارح ومقابر ملكية وأحياء سكنية. قلة من الزوار يُدركون أن ما صوَّره المصورون وزيَّنت به صفحات المجلات ليس سوى مدخل لعالم واسع، إذ يحتاج الباحث الجاد إلى أيام متتالية ليستكشف ما خلّفه النبط دون أن يشعر بالإشباع التام. المدينة المنبسطة على مساحة تزيد على مئتي كيلومتر مربع تحتفظ حتى اليوم بأسرار لم يكشفها التنقيب الأثري، وهي تُشعرك في كل منعطف بأن ما اكتُشف ليس إلا قشرة رقيقة فوق بحر من المعرفة الغائبة.
المشي في بترا مع ضوء الغروب تجربة بالغة الخصوصية؛ حين يميل النهار ويأخذ الضوء الذهبي في الانسياب على الوجوه الصخرية، تتحول الألوان الوردية والبرتقالية والأرجوانية إلى لوحة متحركة، كأن الصخر يتنفس. في تلك اللحظة تحديداً تدرك لماذا أطلق عليها علماء الآثار "وردة الصحراء الحمراء"، وتدرك أيضاً أن بترا لا تُزار مرة واحدة؛ تُزار مرة بالعقل، ومرة بالقلب، وكل مرة تعود إليها تكتشف أنك لم تزرها البتة.
