حين يتحوّل الحبّ إلى عادة فنّ الحفاظ على الشغف في العلاقات الطويلة
ثمّة لحظة يصحو فيها أحدهم في صباح عادي، وينظر إلى الشخص الذي يشاركه حياته منذ سنوات، فيتساءل في صمت: هل لا يزال ما بيننا حبًّا، أم أنّه تحوّل إلى شيء آخر؟ هذا السؤال الذي يخيف كثيرين هو في حقيقته سؤال فلسفي عميق، يمسّ جوهر ما نفهمه بالعلاقة الإنسانية ومعنى الارتباط.

علماء النفس يُميّزون بين مرحلتين في مسيرة العلاقة العاطفية: مرحلة الشغف الأوّلي، وهي تلك الحالة المتوهّجة التي تبدو فيها المشاعر جارفةً لا يمكن السيطرة عليها، ومرحلة الحبّ الناضج الذي يشبه شجرة متجذّرة في عمق التربة. الأولى مبهجة ولكنّها مؤقّتة بطبيعتها، والثانية أقلّ وهجًا في الظاهر لكنّها أكثر ثباتًا وأعمق معنى. المشكلة أنّ كثيرًا من الناس يفسّرون انتهاء المرحلة الأولى على أنّه انتهاء الحبّ ذاته، فيما هو في الواقع بداية نضجه.
لكنّ النضج وحده لا يكفي، إذ يكمن الخطر الحقيقي في ما يمكن تسميته بـ"ألفة الغفلة"، وهي حين تُصبح المعرفة المتبادلة حجابًا بدلًا من أن تكون جسرًا. نعتقد أنّنا نعرف شريك حياتنا تمامًا فنكفّ عن الاستفسار والاستكشاف، ننسى أنّ كلّ إنسان كيان متحوّل لا يتوقّف عن النموّ والتغيّر. الزوجان اللذان يتحدّثان مع بعضهما ساعات يوميًّا قد يكونان في الوقت ذاته أكثر الناس جهلًا ببواطن بعضهما، لأنّ حديثهما لا يتجاوز سطح الروتين.

ما يُفرّق إذن بين العلاقات التي تبقى حيّةً وتلك التي تتحوّل إلى مجرّد رفقة باهتة، هو ما يسمّيه الباحث الأمريكي جون غوتمان بـ"الخرائط الداخلية"؛ أي قدرة كلّ شريك على تحديث معرفته الحقيقية بالآخر: أحلامه الحاضرة لا الماضية، مخاوفه التي تشكّلت حديثًا، أفراحه التي تبدّلت. هذا يتطلّب شجاعة الفضول أكثر ممّا يتطلّب روعة اللحظات الرومانسية. لا يعني ذلك إهمال الرومانسية، بل يعني أن تكون تعبيرًا صادقًا عن معرفة عميقة لا مجرّد طقس متكرّر وجافّ.
الحبّ الطويل فنّ صعب، يستلزم قدرًا من التواضع النادر: التواضع الذي يدفعنا إلى الاعتراف بأنّنا لا نعرف كلّ شيء عمّن نحبّ، وأنّ الغموض ليس تهديدًا بل هو ما يجعل العلاقة تنبض بالحياة. حين نتوقّف عن محاولة إخضاع الشريك لصورة ثابتة في أذهاننا ونبدأ بالتعامل معه ككائن حيّ في طور التشكّل دائمًا، عندها فقط يصبح الحبّ عادةً بأجمل معاني الكلمة: عادة الاكتشاف المتجدّد.
