فنّ توارث الذاكرة المنزلية كيف تحكي الجدران قصصاً لا تُنسى
ثمة لحظةٌ غريبة تنتاب كثيرين منّا حين يعودون إلى بيت الطفولة بعد غياب طويل؛ لحظةٌ يتداخل فيها الحنين مع الغرابة، كأن المكان عاش حياةً موازيةً في غيابنا، وكأن الجدران احتفظت بأسرار تتردد في الهواء الراكد. هذه العلاقة المُركّبة بين الإنسان وبيته ليست مجرد تعلّق عاطفي عابر، بل هي نسيجٌ من الهوية الشخصية والجماعية، تُنسج خيوطه جيلاً بعد جيل دون وعيٍ مُدرَك.
يُفرّق علماء الأنثروبولوجيا بين مفهوم "البيت" بوصفه مبنىً وبين "الوطن المصغّر" بوصفه فضاءً معاشاً مُحمّلاً بالدلالة. فالخزانة الخشبية المتصدّعة في ركن الغرفة ليست قطعةَ أثاثٍ بالية، بل هي شاهدٌ صامت على عقودٍ من الأفراح والأتراح. والبلاطةُ المكسورة عند عتبة الباب ليست عيباً معمارياً، بل هي ذكرى محفورة في وعي الأبناء الذين تعثّروا بها مئات المرات. هكذا تتحوّل الأشياء الاعتيادية إلى حوامل للذاكرة الجمعية، ويتجاوز البيت وظيفته الحرفية ليصير أرشيفاً حيّاً لا تطاله يدُ النسيان بسهولة.
وما يزيد الأمر تعقيداً هو أن هذا الإرث المنزلي لا يُورَّث صريحاً، بل يتسرّب في الخفاء. تُلاحظ الأم كيف تضع ابنتها ملح الطعام في نفس الزاوية التي وضعته فيها جدّتها دون أن تُخبرها بذلك أحد. ويكتشف الابن ذات يوم أنه يجلس متكئاً على الوسادة بالطريقة ذاتها التي كان يجلسها أبوه، وكأن الجسد يحمل ذاكرةً لا يحملها العقل. هذه اللحظات الصغيرة التي تمر دون أن تستوقفنا هي التي تصنع الاستمرارية العائلية، وتمنح الأفراد شعوراً دفيناً بالانتماء لا يحتاج إلى إثبات.
غير أن توارث المنزل لا يخلو من توترات لا تُقال صراحةً. فحين تُعاد طلاء الجدران أو يُستبدل الأثاث القديم بآخر عصري، تندلع أحياناً خلافاتٌ تبدو في ظاهرها عن الذوق والعملية، بينما هي في جوهرها صراعٌ رمزيٌّ بين رغبة الأجيال الجديدة في نحت هويتها المستقلة ورغبة الأجيال الأكبر في صون ما تبقّى من ملامح الأصل. إن طلاء جدارٍ بلونٍ جديد قد يُشعل جدلاً يتجاوز بكثير ما يستحقه لون الطلاء، لأن ما على المحك ليس الجدار بل الذاكرة التي يحملها.
وفي العقود الأخيرة، حيث باتت البيوت تُبنى متشابهةً ومتكاثرةً كقوالب مصنّعة، ثمة أسئلة جوهرية تطرح نفسها بإلحاح: هل يمكن للإنسان أن يصنع ذاكرةً مكانيةً في بيتٍ تعاقب عليه أصحابٌ لا يعرفهم؟ وهل الألفة المنزلية مسألة زمنٍ وتراكم، أم أنها تحتاج إلى فضاءٍ يتيح للإنسان أن يترك أثراً حقيقياً؟ يرى بعض المعماريين أن تصميم المسكن الحديث يُغفل عن قصد أو غير قصد هذه الحاجة البشرية العميقة إلى الأثر، مُنتجاً فراغاتٍ وظيفيةً سليمة ولكنها ساكتةٌ كصفحاتٍ بيضاء.
في نهاية المطاف، ربما يكمن جوهر البيت لا في جدرانه بل في الطقوس الصغيرة التي تتكرر بين أفراده: طريقة سكب الشاي، والمكان الذي تُترك فيه المفاتيح، والنكتة التي يفهمها الجميع دون شرح. هذه الطقوس هي التي تُحوّل الحجرات إلى ذاكرة، والسقف إلى حماية، والبيت إلى ما يستحق فعلاً أن نُسمّيه وطناً. وحين نُدرك ذلك، نفهم لماذا يبكي بعضنا حين يُباع بيت العائلة، ليس حزناً على الحجارة، بل على كل ما لن تحتفظ به الجدران الجديدة.
