الرواية البوليسية فنٌّ يسكن الظلّ ويصنع النور
ثمة نوعٌ من المتعة لا يُضاهى في أن تجلس بمفردك مع رواية بوليسية محكمة البناء، تحسّ فيها بأن كل جملة تُلقي بظلّها على ما يليها، وأن كل تفصيلة صغيرة ـ مهما بدت عابرة ـ إنما هي حجرٌ في صرح معقّد يكتمل في الصفحة الأخيرة. هذا الجنس الأدبي الذي طالما احتلّ مكانةً ثانوية في قاموس النقد الرفيع صار اليوم موضع إعادة تأمّل جديّة، إذ يرى فيه كثيرٌ من الباحثين مرآةً أمينةً للمجتمع، وأداةً فلسفية تستجوب طبيعة الحقيقة والعدالة والبشرية في آنٍ واحد.
لا يكفي أن نختزل الرواية البوليسية في مجرّد لغز يتعيّن حلّه. في أعمق تجلّياتها، هي سرديّةٌ عن الفوضى التي تتهدّد النظام الاجتماعي وعن الحاجة الوجودية إلى العقل محرّراً من الهوى. المحقق في هذا الأدب ليس بطلاً بالمعنى الرومانسي الكلاسيكي؛ هو في أغلب الأحيان شخصيةٌ ملتبسة، تحمل عيوبها على مرأى من القارئ، تسبح في هامش المجتمع لتتمكّن من رؤيته بوضوحٍ لا يتاح لمن هم في قلبه. ومن هنا يستمدّ هذا الشكل السردي توتّره الخاص: ليس التوتّر بين المجرم والضحية فحسب، بل بين الحقيقة والمظهر، وبين العدالة الرسمية والعدالة الحقيقية.
ما يُميّز الرواية البوليسية الناضجة عن مجرّد حبكة مُحكمة هو قدرتها على نسج طبقات دلالية متعددة. خذ مثلاً تلك الأعمال التي تستخدم الجريمة ذريعةً للتنقيب في الطبقات الاجتماعية أو في الذاكرة الجماعية لمدينة بأسرها، حيث يغدو القاتل المجهول رمزاً لقوى تاريخية أو اقتصادية ضاغطة. وفي هذا السياق يتحوّل القارئ بدوره من متفرّج سلبي إلى شريك فعلي في عملية تأويلية لا تقلّ شأناً عن أي قراءة في الأدب الرفيع. إن تجربة «إعادة القراءة» في رواية بوليسية عظيمة ـ حين تعود إليها عارفاً بنهايتها ـ تكشف مدى البراعة الحقيقية لكاتبها، إذ تجد أن المعلومات كلّها كانت ماثلةً أمامك دائماً، لكنها كانت تتخفّى في عباءة الاعتيادي.
في العالم العربي، يظلّ هذا الجنس الأدبي في طور التشكّل والنضج، مع نماذج واعدة تحاول أن تمزج بين اشتراطات الحبكة البوليسية ومتطلّبات البيئة المحلية بقيمها ولغتها وإيقاعها الاجتماعي الخاص. التحدي الذي يواجهه الكاتب العربي في هذا المجال لا يتعلق بالقدرة التخييلية، بل يكمن في بناء قارئٍ مُدرَّب على الانتباه التحليلي، قارئ يقبل على أن يُشكَّك فيما يظنّه حقيقة ويُقلَّب أمامه ما يحسبه يقيناً. وهذه، في التحليل الأخير، تربيةٌ ذهنية لا تقلّ أهميةً عن قراءة الفلسفة أو علم الاجتماع.
ربّما يكمن جوهر الجاذبية الكاملة لهذا الأدب في أنه يُرضي دافعاً بدائياً عميق الجذور في النفس الإنسانية: الرغبة في أن يكون للفوضى معنى، وأن تُختزل الأشياء المبهمة في نهاية المطاف إلى نظام مفهوم. لعلّ القارئ الذي ينكبّ على رواية بوليسية لا يبحث في جوهره عن مجرّد هوية القاتل، بل يبحث عمّا هو أعمق وأشدّ إلحاحاً: يبحث عن بصيص من الاطمئنان بأن العقل قادرٌ على إضاءة الظلام، وأن الحقيقة ـ مهما تمرّغت في الغموض ـ قابلةٌ للاستخراج. وفي زمنٍ تتكاثر فيه الضبابية وتتشابك فيه الروايات، يبدو هذا الوعد أكثر إغراءً من أيّ وقت مضى.
