اللعب فلسفةً وفطرةً: حين يصنع الإنسان معناه باللهو
ثمّة لحظة غريبة تعترض كلَّ مَن يراقب طفلاً منهمكاً في اللعب: تلك اللحظة التي تدرك فيها أنّ الطفل لا يلهو هرباً من الواقع، بل يبني واقعاً موازياً بالغ الدقة والجدية. اللعب في جوهره ليس نقيض الجِدّ، بل هو شكلٌ من أشكال الوجود الإنساني الأصيل، الذي يسبق اللغةَ ويتجاوز الثقافة، ويتجذّر في أعماق ما نعنيه حين نقول «إنسان».
دأب الفلاسفة على التأمّل في ظاهرة اللعب منذ أرسطو الذي رأى في الراحة واللهو ضرورةً لتجديد طاقة النفس، حتى يوهان هايزنغا الذي أطلق في كتابه الشهير «الإنسان اللاعب» مفهوماً ثورياً: أنّ الحضارة الإنسانية بأسرها قد نشأت من رحم اللعب لا على الرغم منه. فالقانون كان طقساً، والأسطورة كانت رواية، والحرب كانت في أحيان كثيرة مسابقةً مُنظَّمة بقواعدها وأعرافها. وعلى هذا المنوال، ما الذي يفصل فعلياً بين مباراة الشطرنج ومعركة سياسية، أو بين مهرجان موسيقي وطقس ديني، إن لم يكن ذلك الحدّ الرفيع الفاصل بين «المقدّس» و«الممتع»؟
علم الأعصاب الحديث يعزّز هذه الرؤية من زاوية مغايرة؛ إذ يكشف أنّ الدماغ في حالة اللعب يُفعّل مساراتٍ تكاملية تجمع بين اليقظة والإبداع والتعلّم والتعاطف في آنٍ واحد. ما يعني أنّ اللعب ليس رفاهية نمنحها للأطفال حين ننتهي من «الأمور الجدية»، بل هو الوضع العصبي المثالي لأداء كثير من هذه الأمور ذاتها. وهنا تكمن المفارقة: نحن نُلغي اللعب من حياة البالغين بحجّة المسؤولية، في حين أنّ أكثر الاختراعات البشرية إبداعاً وُلدت في عقولٍ لم تُحسن التمييز بين «العمل» و«اللعب».
تختلف ثقافات العالم في علاقتها باللعب اختلافاً يعكس أعمق تصوّراتها عن الغاية من الوجود. ففي بعض المجتمعات، يُعدّ البالغ الذي يلعب ناضجاً لم يكتمل نضجه، بينما في مجتمعات أخرى، يُنظر إلى شخص لا يعرف اللهو باعتباره إنساناً أفقد لنفسه شيئاً جوهرياً. غير أنّ ما تشترك فيه الثقافات جميعاً هو تلك الرغبة الجارفة في إنشاء فضاءات يُعلَّق فيها الزمن، وتُخفَّف قواعد العالم، ويتحرّر الخيال من وطأة النتائج. هذا الفضاء هو ما يسمّيه علماء الأنثروبولوجيا «المجال الممتاز»، وهو بالضبط ما يُتيح للإنسان أن يتدرّب على الحياة قبل أن يعيشها.
في السياق التكنولوجي الراهن، يثير صعود الألعاب الرقمية تساؤلاً مقلقاً ومثيراً معاً: هل لعبنا يتطوّر أم يتراجع؟ الألعاب الرقمية في أرقى أشكالها عوالمُ تفاعلية تُجرِّب فيها الهويات، وتتحمّل العواقب دون أن تدفع ثمنها حقاً، وتبني روابط اجتماعية تعبر الحدود الجغرافية. لكنّها في أكثر تجلياتها تجارياً ليست سوى آلات مُحكمة لاستهلاك الوقت والمكافأة الفورية، تُشبع الرغبة في اللعب دون أن تُغذّي روحه.
لعلّ السؤال الحقيقي الذي يطرحه اللعب علينا ليس «ماذا نلعب؟» بل «من نكون حين نلعب؟» ففي اللحظات التي نختار فيها قواعد عالمنا بحرية، ونعلّق أحكامنا المسبقة، وننخرط في شيء لمجرّد بهجته الخالصة، ربما نكون في أقرب لحظاتنا إلى ما قد يعنيه أن نكون بشراً حقاً، لا موظّفين أو أدواراً اجتماعية، بل كائناتٍ لا تزال قادرة على الدهشة.
