الديون الخفية: حين يصبح الاقتراض أسلوب حياة
ثمة فارق جوهري بين من يقترض ليبني ومن يقترض ليعيش، غير أن هذا الفارق يتلاشى تدريجياً في مجتمعات باتت تنظر إلى الدين لا بوصفه استثناءً طارئاً، بل ركيزةً عادية من ركائز الحياة اليومية. وقد أسهمت في ترسيخ هذه النظرة عوامل شتى: سهولة الحصول على بطاقات الائتمان، وانتشار منصات الشراء الآجل، فضلاً عن ثقافة استهلاكية لا تكفّ عن إيحاء الفرد بأنه يستحق كل شيء الآن، وأن الدفع لاحقاً مجرد تفصيل إجرائي.
لكن الديون لا تتراكم في الفراغ؛ إذ تنمو في التربة الخصبة التي تهيئها الفجوات النفسية لا المادية فحسب. كثير من الناس لا يقترضون لأنهم عاجزون عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، بل لأنهم يحاولون سدّ فجوة بين حياتهم الفعلية وصورة مُثلى يرسمها لهم المحيط الاجتماعي. وعلم النفس يُسمّي هذه الظاهرة "استهلاك التظاهر"، حين يصبح الإنفاق أداةً للتعبير عن الهوية قبل أن يكون تلبيةً للحاجة. وهنا يتحول الدين من أداة براغماتية إلى مصيدة وجودية لا يسهل الإفلات منها.
ولا يقتصر الأمر على الأفراد، بل يمتد ليطال الأسر بأكملها التي تتوارث أنماط التعامل مع المال جيلاً بعد جيل. حين ينشأ الطفل في بيت لا يُتحدَّث فيه عن المال إلا همساً أو بوصفه مصدر قلق دائم، فإنه يحمل معه ميراثاً عاطفياً يشكّل قراراته المالية لعقود. يصبح الادخار مفهوماً غريباً، والاستثمار ترفاً، والتخطيط المالي بعيداً عن ثقافته الأصيلة. وحين تصادفه أزمة مالية، يلجأ بصورة شبه انعكاسية إلى الاقتراض لا لأنه الحل الأمثل، بل لأنه الوحيد الذي يعرفه.
الأشد مكراً في ثقافة الدين أنها تنشر وهم السيولة؛ فحين يقترض المرء ويملك المال في جيبه، تتلاشى الحدود في وعيه بين ما يملكه فعلاً وما هو مدين به. ويزيد الطين بلة أن البنوك وشركات الائتمان تحرص على جعل هذا الوهم ملموساً وجذاباً، بعروض تبدو براقة وأرقام شهرية تبدو في المتناول، فيما تختبئ الفوائد المتراكمة في خانة صغيرة من عقد مطوّل لا يقرأه أحد بعناية. وهكذا يجد المقترض نفسه بعد سنوات أمام جبل من الالتزامات لم يتخيّل يوماً أنه كان يبنيه بيده.
الخروج من هذه الدوامة يستلزم أكثر من مجرد خطة تسديد أو جدول توفير. يتطلب الأمر مراجعة جذرية لمنطق الرغبة وعلاقة الذات بالاستهلاك. بعض الاقتصاديين السلوكيين يرون أن الحل لا يبدأ من الجيب بل من السؤال: ماذا أحاول إثباته حين أشتري هذا الشيء؟ ولمن؟ حين يواجه الفرد هذا السؤال بصدق، كثيراً ما ينهار البناء الوهمي الذي شيّده على أعمدة الدين.
ثمة شعوب توصلت إلى هذه المعادلة مبكراً، فبنت ثقافتها المالية على الاكتفاء الواعي لا الحرمان القسري، وعلى تقدير ما هو موجود بدلاً من الهوس بما هو مفقود. وهذه ليست فلسفة زهد ديني بقدر ما هي ذكاء اقتصادي ممتزج بوعي نفسي عميق. المال وسيلة لا غاية، والدين حين يُستخدم بمنطق الوسيلة أداةٌ نافعة، لكنه حين يصبح أسلوب الحياة يتحول إلى قيد لا يرى أكثرنا خيوطه إلا حين يضغط على المعاصم بقوة.
