فنّ النسيان: لماذا يحتاج العقل إلى أن ينسى؟
لطالما اعتُبر النسيان عيباً في الذاكرة، أو ثغرةً ينبغي سدّها بأي ثمن. غير أن الأبحاث الحديثة في علم الأعصاب تقلب هذه الصورة رأساً على عقب، إذ تكشف أن النسيان ليس فشلاً عرضياً للدماغ، بل وظيفة دقيقة ومقصودة، يقوم بها بنشاط لا يقلّ عن نشاطه حين يتذكّر.
يستقبل المرء في كل لحظة كمّاً هائلاً من المعلومات الحسية والانفعالية، ولو احتفظ الدماغ بكلّ تفصيل لانهار تحت ثقل التفاصيل، ولأصبح اتخاذ القرار أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قشّ. لذلك طوّر العقل آليات انتقائية للتخلّص ممّا لم يعد ذا قيمة، مُفسحاً المجال لما هو أكثر أهمية. وقد بيّنت دراسات أُجريت على الفئران أن خلايا عصبية متخصّصة في منطقة الحُصين تُضعف الروابط بين الذكريات القديمة لتسمح بتشكيل ذكريات جديدة، في عملية تُشبه إعادة ترتيب مكتبة مزدحمة.
بيد أن للنسيان وجهاً آخر، إنسانياً أكثر منه بيولوجياً. فهو ما يُتيح لنا أن نتجاوز الإهانات الصغيرة، ونرمّم العلاقات بعد الخصام، ونتصالح مع ماضٍ لم يكن دائماً على قدر طموحاتنا. ومن دون قدرٍ من النسيان، لكانت الذاكرة سجناً لا متحفاً، ولظلّ كلّ جرح مفتوحاً كما في يومه الأول. ولعلّ هذا ما قصده الفيلسوف نيتشه حين رأى في النسيان شرطاً للسعادة، بل للحياة ذاتها.
ومع ذلك، ثمّة توازن دقيق ينبغي الحفاظ عليه. فحين يتمادى النسيان يصبح مرضاً، كما في حالات الخرف التي تسلب أصحابها هويّاتهم شيئاً فشيئاً. وحين يغيب كلياً، كما عند بعض من يعانون فرط الذاكرة، تتحوّل الحياة إلى عبء لا يُحتمل، إذ يظلّ الماضي حاضراً بكلّ تفاصيله المؤلمة.
ربما آن الأوان إذن لإعادة الاعتبار إلى النسيان، لا بوصفه نقيضاً للتذكّر، بل شريكاً صامتاً له، يصوغ معه ما نُسمّيه: ذاتنا.
